محمد ابو زهره

1069

خاتم النبيين ( ص )

قلوبهم تصغي ، وأفئدتهم تتجه نحوه ، فأسلم الكثيرون ، وتهيأت للإسلام قلوب كثيرين ، ولما اتجه عليه الصلاة والسلام إلى خيبر لاقتلاع اليهود من بلاد العرب ، كان العرب جميعا مناصرين . وعندما اتجه محمد صلى اللّه تعالى عليه وسلم إلي الرومان أحسوا بعزة العرب تغالب سلطان بني الأصفر ، وقد كان أمرهم مرهوبا مخوفا ، قد استكان بعضهم له رهبا لا رغبا ، فلما رأوا محمدا صلي اللّه تعالى عليه وسلم الهاشمي القرشي العربي يغزو بنى الأصفر ، أحسوا بعزة عربية لا بد أن يكونوا معها ، وإذا كانوا مع الروم في بؤسهم فقد هداهم التفكير في عزتهم إلي ألا يكونوا معهم في تبوك ، وإن ذلك بلا ريب يفتح قلوبهم لأن يدركوا الإسلام ، ويتدبروا في أمره وغايته ، ورأوا أنه السبيل الوحيد لعزتهم ، ورفع نير الرومان ونفوذهم . ولقد ذكر كتاب السيرة أنه دخل في الإسلام ما بين فتح مكة المكرمة وغزوة الحديبية ناس كثيرون بلغوا أضعاف ما دخلوا من وقت البعث المحمدي ، إلي الحديبية ، أي بلغ في سنتين أضعاف أضعاف من دخل فيه في مدي تسع عشرة سنة . ولما كان فتح مكة المكرمة ، ودخلت قريش في الإسلام ، دخل فيه الذين يترددون وقد لانت قلوبهم ، لأنهم رأوا أهل مكة المكرمة ، الذين كان لهم مكان المتبوع يدخلون فدخلوا . ولذلك جاءت الوفود تتري في العام التاسع ، بعد أن فتحت في رمضان من العام الثامن ، ولقد جاءت تلك الوفود مسلمة معلنة إسلامها ، تريد معرفة أحكام دينها وما يجب أن يقوم به المسلم ، وما يجوز له وما لا يجوز . وكان النبي صلي اللّه تعالي عليه وسلم يرسل البعوث لتعليمهم ، ولتأديب الذين يحاولون إيذاء المؤمنين أو العبث بالمقومات الدينية ، فكان أحيانا يرسل السرايا ، وأحيانا يرسل فقهاء الصحابة ، كما أرسل أبا موسي الأشعري ومعاذ بن جبل ولما أرسل خالد بن الوليد ، وهو القائد المحارب كان مكلفا أن يدعو إلى الإسلام ، لا أن يجرد سيف القتال ، ثم أرسل علي بن أبي طالب عالم الصحابة ، فتولي تعليمهم ، وأخذهم بأحكام الإسلام ، ثم ولاه القضاء ، فانفتق ذهنه بدعوة النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم ، ونطق لسانه بالحكمة وفك عقدا من مشكلات القضاء وأقره النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم . وهكذا نري أن البلاد العربية - أهل الوبر وأهل المدر - قد دخلها الإسلام ، وتقبله قلوب مؤمنة مذعنة ، وعلم أمره بعض الناس ، ولكن لم يدخل قلوبهم فأطاعوا وخضعوا ، ولكن لم تؤمن قلوبهم ، وإن علم الإسلام ، كان الإسلام كالغيث يصيب أرضا نقية فيمدها بالزرع وتأتي بأطيب الثمرات ، وكان